المرأة في التصور الإسلامي بين الأصالة ومتغيرات العصر

الإعداد: فاطمة هدى بنت عمر 

يرى قطاع غير قليل ممن يتبنون القراءات النسوية والأطروحات الفكرية المدافعة عن قضايا المرأة أن الإسلام أيديولوجيا تجاوزها الزمن، وأنه عجز عن استيعاب التحولات العصرية والتطورات الاجتماعية. كما تتردد في بعض التيارات الليبرالية والتقدمية دعوى أن موقف الإسلام من المرأة ينطوي على تمييز لا ينسجم مع مقتضيات الحرية والتقدم. غير أن المفارقة التي تستحق التأمل تتمثل في أن بعض الذين يرفعون شعارات الحرية والاستقلال الذاتي في الفضاء العام يترددون في تطبيق المبادئ ذاتها على النساء داخل أسرهم. فكثيرا ما تتقدم اعتبارات التقاليد والمكانة الاجتماعية وسمعة الأسرة والتصورات الضيقة المتعلقة بأخلاق المرأة على غيرها من الاعتبارات في العلاقات الأسرية والشخصية، في حين يتصدر أصحاب هذه المواقف أنفسهم مشهد الدفاع عن الحرية حين يتعلق الأمر بحياة الآخرين. وهذا التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية جدير بقراءة نقدية متأنية؛ إذ يكشف عن ضرورة إعادة النظر في بعض ادعاءات الخطاب التقدمي المعاصر، ولا سيما فيما يتعلق بحرية المرأة واستقلالها.

إن التصور الإسلامي للمرأة يختلف في منطلقاته وغاياته عن التصورات التي تتبناها بعض الاتجاهات الليبرالية. فالمرأة، في المنظور الإسلامي، إنسان كامل الكرامة، لها روح وجسد، ولا تختزل قيمتها في مظهرها الخارجي أو جاذبيتها الحسية. وفي المقابل، فإن بعض الخطابات الليبرالية المعاصرة، حين تجعل الجسد محور الحرية والهوية، قد تنتهي إلى اختزال المرأة في صورتها الجسدية. وثمة فرق بين أن ينحصر اهتمام المرأة في تزيين جسدها وتحسين مظهرها، وبين أن تعتني بتهذيب روحها وتزكية نفسها، إلى جانب عنايتها بجمالها الظاهر.

فالإسلام لا يحصر جمال المرأة في حدود ما تدركه الحواس، بل يوجهها إلى اكتشاف جمال الروح، وعمق التجربة الإيمانية، ولذة الارتقاء الأخلاقي؛ ذلك الجمال الذي تعجز العبارات عن الإحاطة بحقيقته، وتسمو آثاره على حدود المظهر المحسوس. ومن هذا التكامل بين جمال الظاهر وصفاء الباطن تتشكل شخصية المرأة القادرة على الإسهام في بناء مجتمع فاضل، وتربية أجيال تجمع بين العلم والإيمان والاستقامة.

وحين تحرم المرأة من فرص الارتقاء الروحي والفكري، وتدفع إلى الانشغال بالأعمال ذات الطابع المادي وحدها، أو تقاس مكانتها بمعايير المظهر والإنجاز الدنيوي، فقد تختار الابتعاد عن بعض البيئات التي لا تجد فيها ما يلبي تطلعاتها الإيمانية والعلمية. ومن الظلم أن يُجعل هذا الاختيار دليلا على قصورها أو عجزها، بدلا من البحث في السبل الكفيلة بتنمية روحها وصقل ملكاتها. ولعل بعض مظاهر الاحتفاء الصاخب بالحداثة تحجب عن أصحابها هذه الحقيقة، فتجعلهم أسرع إلى السخرية ممن يختار طريقا مختلفا في طلب السكينة والمعرفة.

ولننظر، في هذا السياق، إلى واقع الجامعات الحديثة وما يجري في أروقتها. هل أصبحت فضاء تتنافس فيه العقول على المعرفة، وتتفتح فيه ملكات البحث والتأمل، أم غلب على بعض بيئاتها الاهتمام بالمظاهر ومظاهر الترفيه والإثارة الحسية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تستقيم بالتعميم، بل تقتضي النظر في واقع المؤسسات التعليمية المختلفة، وما توفره من فرص حقيقية للنمو العلمي والأخلاقي. ومع ذلك، يبقى من المشروع أن نتساءل: لماذا تُلام الفتاة وولي أمرها إذا آثرا بيئة تعليمية يجدان فيها ما يلائم تطلعاتهما العلمية والدينية، ولا سيما إذا لم يجدا في بعض البيئات الجامعية ما يحقق لهما الطمأنينة المنشودة؟

ولا ينبغي، في المقابل، أن يُرفض التساؤل عن مدى مشروعية الأنشطة الترفيهية والفعاليات الجامعية التي تمنح الإنسان البهجة وتخفف عنه أعباء الحياة؛ فالأصل أن الفرح المباح ليس مذموما في ذاته. وإنما موضع النظر هو أثر بعض الممارسات في سلوك الإنسان وتصوراته واختياراته. فهل تظل القيم التي كان يؤمن بها المرء راسخة بعد انخراطه في بيئة معينة، أم تتبدل نظرته إلى نفسه وعلاقاته وحدود المسؤولية الأخلاقية؟ وهل تقوده تلك التجارب إلى مزيد من النضج والاتزان، أم تضعف قدرته على ضبط رغباته؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى ملاحظة واقعية وبحث علمي رصين، بعيدا عن الأحكام المسبقة والتعميمات التي لا تستند إلى أدلة كافية. فالمعيار ليس مجرد وجود الفرح أو غيابه، وإنما طبيعة السلوك وآثاره في بناء الإنسان وصيانة كرامته.

وقد شهد التاريخ الإسلامي نماذج نسائية رفيعة استطاعت أن تبلغ مراتب سامية في العلم والعبادة والفضيلة، في ظل التصور الإسلامي للكرامة الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية. فمنهن من نلن منزلة عظيمة في النصوص الشرعية، ومنهن من ضربن أروع الأمثلة في العلم والعمل والصبر والتضحية، حتى أصبحن نماذج يُقتدى بها في تزكية النفس وإصلاح المجتمع. وقد جمعن بين العناية بالجسد في حدود ما تقتضيه الحياة، والارتقاء بالروح من خلال الإيمان والمعرفة والعمل الصالح.

لقد جاء الإسلام في بيئات كانت المرأة فيها، لدى بعض الأمم والقبائل، عرضة للازدراء والاستغلال. وقد صور القرآن الكريم حال بعض العرب عند بشارتهم بالأنثى، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]. كما ذم القرآن الكريم وأد البنات، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8-9]. وفي مواجهة هذه الممارسات، قرر الإسلام للمرأة كرامتها الإنسانية، وأثبت لها حقوقها، وأكد مسؤوليتها الدينية والأخلاقية، وفتح أمامها أبواب العلم والعبادة والمشاركة في شؤون الحياة، في إطار أحكام الشريعة وآدابها.

وليس من قبيل المصادفة أن يشتمل القرآن الكريم على سورة تحمل اسم النساء، وأخرى تحمل اسم مريم، وأن ترد فيه نماذج نسائية بارزة في سياقات التكريم والاعتبار. وقد قرر القرآن مبدأ العدل بين الرجال والنساء، مع مراعاة ما تقتضيه بعض الفوارق والوظائف من أحكام مختلفة. فالتساوي في الكرامة الإنسانية والثواب والمسؤولية أمام الله لا يعني بالضرورة التطابق في جميع الأحكام والتكاليف، كما أن اختلاف بعض الأحكام لا يقتضي انتقاص قيمة المرأة أو إنكار أهليتها الإنسانية.

ولم يقف الإسلام في وجه النمو الجسدي أو العقلي أو النفسي للمرأة، وإنما شرع من الأحكام ما ينظم الحقوق والمسؤوليات في ضوء تصوره للإنسان والأسرة والمجتمع. ومن ثم، فإن مناقشة الفروق بين الجنسين ينبغي أن تقوم على التمييز بين الحقائق العلمية والافتراضات الثقافية، وبين ما تثبته الأدلة التجريبية وما يظل محل خلاف في البحوث المعاصرة.

ومن الشواهد التي يستحضرها بعض المدافعين عن وجود فروق بين الجنسين أن قيادة الشاحنات الثقيلة، على سبيل المثال، لا تثير الاستغراب عادة حين يمارسها الرجال، بينما قد تتحول إلى مادة للخبر والاحتفاء حين تمارسها امرأة. ويمكن تفسير هذا التفاوت في الاهتمام الإعلامي بوصفه انعكاسا للتصورات الاجتماعية المتعلقة بأدوار الجنسين، لا دليلا حاسما على تفاوت قدراتهما في جميع المجالات. فالقدرة الفردية لا يصح الحكم عليها بمجرد الانتماء إلى جنس معين، بل ينبغي تقديرها في ضوء الكفاءة والتدريب والاستعداد والظروف المحيطة.

وتتناول بعض المراجع الموسوعية والدراسات العلمية الفروق بين الذكور والإناث في جوانب من السلوك والخصائص النفسية والقدرات الجسدية. غير أن هذه الفروق لا يصح عرضها باعتبارها قواعد مطلقة تشمل جميع الأفراد؛ إذ تتداخل فيها العوامل البيولوجية والتربوية والثقافية، كما تتباين نتائج الدراسات بحسب مناهجها وعيناتها ومجالاتها. ولذلك، فإن الاستدلال العلمي المنضبط يقتضي الرجوع إلى المصادر الأصلية، والتحقق من سياق النتائج ودلالاتها، بدلا من الاكتفاء بأرقام أو اقتباسات منقولة دون توثيق.

وينطبق الأمر نفسه على الفروق التشريحية والفسيولوجية بين الرجل والمرأة. فثمة اختلافات في متوسط كتلة بعض الأعضاء، وحجم الدم، ومعدل ضربات القلب، وغيرها من المؤشرات الحيوية. غير أن هذه المؤشرات تتأثر بالعمر والطول والوزن والحالة الصحية ومستوى اللياقة البدنية، ولا تكفي وحدها لتفسير السمات النفسية أو السلوكية، فضلا عن أن تُتخذ أساسا لإصدار أحكام عامة على أهلية المرأة أو قدراتها. ومن الخطأ العلمي الانتقال من إثبات اختلاف بيولوجي إلى افتراض نتيجة اجتماعية أو أخلاقية محددة من غير دليل مستقل يثبت العلاقة بينهما.

إن الفهم المتوازن للفروق بين الجنسين لا يستلزم إنكار الخصائص البيولوجية، كما لا يجيز تحويلها إلى مبررات للانتقاص من المرأة أو الحد من إمكاناتها. فالتصور الإسلامي، حين يُفهم في سياقه الشرعي والعلمي، يتيح للمرأة مسارات واسعة في طلب العلم والعبادة والعمل الصالح، ويؤكد أن قيمة الإنسان لا تقاس بمجرد مظهره أو جنسه، بل بما يحمله من إيمان وعلم وعمل واستقامة.

ومن النساء اللاتي تجلت في سيرتهن هذه المعاني السيدة نفيسة بنت الحسن، المعروفة بنفيسة المصرية، رحمها الله، وهي من الشخصيات التي احتلت مكانة بارزة في الذاكرة الدينية والعلمية للمسلمين في مصر. فقد عُرفت بالعبادة والزهد والعلم، وأقبل عليها الناس لما اشتهرت به من الصلاح والمعرفة. وتروي كتب التراجم أخبارا عن نشأتها في بيئة علمية، وعن عنايتها بالقرآن والفقه والحديث، وعن منزلتها في نفوس أهل عصرها.

وقد ارتبط اسم السيدة نفيسة بتاريخ مصر العلمي والروحي، ولا سيما بعد قدومها إليها، حيث قصدها الناس للاستفادة من علمها والتماس الدعاء منها. وتناقلت كتب المناقب والتراجم أخبارا عن عبادتها وكراماتها، وهي أخبار ينبغي تناولها في ضوء مصادرها التاريخية، مع مراعاة مناهج المحدثين والمؤرخين في تقويم الروايات. ومع ذلك، فإن مكانتها في الوجدان الإسلامي المصري تظل شاهدا على حضور المرأة العالمة العابدة في الحياة الدينية والاجتماعية.

ولو كان الإسلام، في أصوله ومقاصده، قائما على إقصاء المرأة عن العلم والفضيلة، فكيف نفهم حضور شخصيات نسائية مثل السيدة نفيسة ورابعة العدوية وغيرهما في الذاكرة الإسلامية؟ إن وجود هذه النماذج لا يغني عن دراسة الواقع التاريخي بتفاصيله، لكنه ينقض التعميم القائل إن التصور الإسلامي لا يتيح للمرأة طريقا إلى العلم والعبادة والتأثير الاجتماعي. فالإنسان، رجلا كان أو امرأة، إذا فقد قيم العلم والعمل الصالح، خبت جذوة النور في حياته، وغدا أكثر عرضة للانجراف وراء الشهوات والنزعات التي لا تمنحه سكينة دائمة ولا ارتقاء حقيقيا.

وتزخر كتب التراجم الإسلامية بسير نساء جمعن بين قوة الإيمان وعمق المعرفة وحسن التدبير. وفي طليعة هؤلاء السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، التي كانت مثالا للحكمة والثبات وحسن المؤازرة. فقد وقفت إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم في بدايات الدعوة، وساندته حين اشتد عليه الأذى، وكانت له مصدر طمأنينة وتثبيت في مرحلة حاسمة من تاريخ الرسالة. وقد جسدت سيرتها معنى الشراكة في تحمل المسؤولية، وبذل المال والجهد في سبيل الحق، والثبات أمام المحن.

وامتد هذا الحضور النسائي المتميز إلى أمهات المؤمنين وسائر نساء الجيل الأول. فقد عُرفت السيدة عائشة رضي الله عنها بسعة علمها وقوة حفظها وفقهها، وصارت مرجعا في الحديث والفقه لكثير من الصحابة والتابعين. كما جسدت السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها معاني الطهر والصبر والوفاء، وكانت سيرتها من النماذج التي يستلهم منها المسلمون القيم الأخلاقية والروحية. ولم يكن أثر هؤلاء النساء محصورا في المجال الأسري، بل امتد إلى تشكيل الوعي الديني، ونقل المعرفة، وترسيخ القيم في المجتمع الإسلامي.

ومع اتساع رقعة العالم الإسلامي وتغير أحوال المجتمعات، يرى بعض الباحثين أن مساحة حضور المرأة في بعض البيئات قد ضاقت عما كانت عليه في مراحل سابقة، وأن أدوارها انحصرت أحيانا في المنزل وشؤونه. غير أن تفسير هذه الظاهرة لا يصح أن يُرد إلى عامل واحد، ولا أن يُجعل نتيجة مباشرة للإسلام؛ إذ تتداخل فيه الأعراف المحلية، والظروف الاقتصادية، والتحولات السياسية، وأنماط التعليم، والتصورات الاجتماعية السائدة في كل مجتمع.

ويشهد التاريخ الإسلامي أن المرأة لم تكن غائبة عن ميادين الحياة حين دعت الحاجة إلى مشاركتها. فقد أسهمت النساء في التعليم والرواية والتمريض وأعمال البر، وشاركن في نقل العلم وخدمة المجتمع، وتفاوتت مجالات مشاركتهن بحسب العصور والبيئات والظروف. ومن ثم، فإن البحث في أسباب محدودية مشاركة المرأة في بعض المجتمعات يقتضي دراسة الظروف التي عاشت فيها، والعوائق التي واجهتها، والتمييز بين ما فرضته الأعراف الاجتماعية وما تقرره الأحكام الشرعية.

ومن العوامل التي تستحق الدراسة كذلك طبيعة البيئة الاجتماعية ومدى ما توفره للمرأة من أمن وكرامة. ففي المجتمعات التي تنتشر فيها المضايقات والتحرشات والإيذاءات الجسدية أو النفسية، قد تلجأ الأسر إلى تقييد حركة بناتها خوفا عليهن. وهذه مشكلة لا ينبغي أن تُعالج بتوجيه اللوم إلى المرأة أو إلى دينها، بل تستلزم مواجهة السلوكيات المنحرفة، وتعزيز الوعي الأخلاقي، وتطبيق القوانين التي تحمي الكرامة الإنسانية، إلى جانب تهيئة فضاءات عامة وتعليمية آمنة.

وفي هذا الإطار، يأتي الحجاب ضمن منظومة من الأحكام والآداب التي يقصد بها الإسلام صيانة العفة والكرامة وتنظيم العلاقة بين الجنسين. ولا يصح اختزال هذه المنظومة في مجرد تقييد لحركة المرأة، كما لا يصح تحميل المرأة وحدها مسؤولية منع التحرش أو حماية المجتمع من الانحراف؛ فغض البصر وضبط السلوك مسؤولية مشتركة، وقد وجه القرآن الكريم الخطاب إلى الرجال والنساء معا، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ثم قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 30-31].

وقد أباح الإسلام للمرأة الخروج لقضاء حوائجها وطلب العلم وممارسة ما يباح لها من الأعمال، مع الالتزام بالأحكام الشرعية ذات الصلة. وإذا كانت بعض الفتيات يجدن في الحجاب انسجاما مع قناعاتهن الدينية، فإن فرض قيود تعسفية على تعليمهن بسبب ارتدائه يثير إشكالا حقيقيا يتعلق بالتمييز الديني وحق الوصول إلى التعليم. ومن غير المنصف أن تُتهم الشريعة بأنها تحرم المرأة من التعلم في الوقت الذي تكون فيه العوائق ناتجة عن ممارسات اجتماعية أو إدارية تحول دون التحاقها بالمؤسسات التعليمية.

وتقدم سير العالمات المسلمات عبر التاريخ شواهد مهمة على إمكان الجمع بين الالتزام الديني والإنجاز العلمي. فقد أسهمت نساء كثيرات في رواية الحديث وتدريس العلوم الشرعية، وبلغ بعضهن مراتب عالية من التخصص والإتقان، حتى قصدهن طلاب العلم للأخذ عنهن. ولم تكن العقبات، حيث وجدت، نهاية الطريق أمام الجميع؛ فقد استطاعت نساء تجاوز بعض القيود الاجتماعية، وأسهمن في الحياة العلمية بما امتلكن من معرفة وصبر وإرادة.

ولا يزال في واقعنا المعاصر عدد من النساء المسلمات اللواتي يجمعن بين سعة الاطلاع وعمق البحث والالتزام بالقيم الإسلامية، ويقدمن نماذج عملية للتوازن بين الهوية الدينية والتحصيل العلمي. كما أسهمت جهود العلماء والمصلحين والمؤسسات التعليمية في إنشاء مؤسسات نسائية ومعاهد وكليات تتيح للمرأة متابعة دراستها في بيئة تراعي احتياجاتها الدينية والتربوية، وتفتح أمامها آفاق التخصص والبحث. وتعد هذه المبادرات من صور العمل الإصلاحي الذي يستجيب لمتطلبات المجتمع من غير أن يقطع صلته بمرجعيته الدينية والثقافية.

ومن الطبيعي أن تتغير أنماط الحياة في المجتمعات بتغير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد يفتح التعليم والعمل أمام المرأة فرصا جديدة للاستقلال والإسهام في التنمية، لكنه قد يضيف إليها أعباء أخرى إذا لم تتوزع المسؤوليات الأسرية توزيعا عادلا. فإدارة المنزل ورعاية الأبناء مسؤوليتان تحتاجان إلى جهد ووقت، ولا ينبغي النظر إليهما بوصفهما عملين هامشيين أو التقليل من قيمتهما. وفي الوقت نفسه، لا يصح افتراض أن المرأة وحدها ملزمة بتحمل جميع أعباء الأسرة، أو أن مشاركتها في العمل خارج المنزل تعني بالضرورة اضطراب الحياة الأسرية. إن المسألة تتطلب موازنة واعية بين الحقوق والواجبات، ومراعاة ظروف الأسرة، وتحقيق التعاون بين أفرادها.

ومن المفيد، عند مناقشة واقع المرأة المسلمة، أن يبدأ النقد بمراجعة الممارسات داخل الأسرة نفسها. فمن يشتكي من حصر المرأة في المنزل ينبغي أن ينظر أيضا في ظروف زوجته وأمه وابنته وكنّته، وأن يتأمل حجم ما تتحمله كل واحدة منهن من أعباء العمل المنزلي والرعاية والمسؤوليات اليومية. كما ينبغي النظر في دوافع خروج المرأة إلى العمل: أهو اختيار يحقق طموحها العلمي والمهني، أم ضرورة فرضتها محدودية دخل الأسرة؟ وهل تجد، بعد إنجاز أعمال المنزل، فرصة للعمل أو الكسب لتخفيف اعتمادها المالي على الآخرين؟ وما الثمن الذي تدفعه من صحتها ووقتها وراحتها النفسية في سبيل الجمع بين مسؤوليات متعددة؟

إن مثل هذه الأسئلة تساعد على فهم واقع المرأة بعيدا عن الشعارات المجردة. فقد تختار امرأة متعلمة البقاء في المنزل إذا وجدت في ذلك ما يحقق مصلحتها ومصلحة أسرتها، وقد تختار أخرى العمل خارج المنزل لما تملكه من طموح أو حاجة أو قدرة على الإسهام في مجال تخصصها. ولا يجوز أن يُفرض أحد الخيارين على جميع النساء، أو أن يُجعل مجرد الاختيار دليلا على التخلف أو التحرر. فالمعيار هو احترام الإرادة المشروعة، وتحقيق العدل، وتوفير الظروف التي تمكن المرأة من اتخاذ قرارها بوعي وكرامة.

كما أن توفير بيئة آمنة تستطيع فيها المرأة التنقل من غير خوف من الاعتداء أو التحرش مسؤولية اجتماعية ومؤسسية مشتركة. فالمجتمع الذي يصون كرامة أفراده لا يكتفي بمطالبة النساء بتجنب المخاطر، بل يعمل على الحد من أسبابها، ومحاسبة المعتدين، وتربية الرجال والنساء على احترام الحدود والحقوق. وهذا المعنى ينسجم مع المقصد الإسلامي في صيانة النفس والكرامة وتحقيق الأمن في المجتمع.

وإذا أردنا للمرأة المسلمة أن تسهم في نهضة علمية واجتماعية متوازنة، فمن الضروري ألا تنقطع صلتها بالتربية الدينية كلما تقدمت في مراحل التعليم العام. فالتعليم الديني الرصين لا ينبغي أن يكون بديلا عن العلوم الحديثة، كما لا ينبغي أن يُعامل بوصفه مرحلة مؤقتة يتخلص منها المرء عند الانخراط في الحياة المعاصرة. وإنما الأصل أن يتكامل تحصيل العلوم المختلفة مع بناء الوعي الأخلاقي والإيماني، بحيث تمتلك المرأة أدوات المعرفة الحديثة، وتحتفظ في الوقت نفسه بقدرتها على التفكير النقدي والتمييز بين ما ينفعها وما يضرها.

وليس المقصود من ذلك الانغلاق عن العالم أو رفض كل تحول اجتماعي، بل امتلاك الوعي الذي يمكّن المرأة من التعامل مع المستجدات من غير ذوبان في كل ما يطرأ عليها. فالنهضة الحقيقية لا تقوم على القطيعة مع الهوية، كما لا تتحقق بمجرد التمسك بالموروث من غير فهم أو مراجعة، وإنما تنشأ من الجمع بين المعرفة الأصيلة والنظر المتبصر في الواقع، وبين الثبات على المبادئ والقدرة على الاجتهاد في الوسائل.

إن النماذج النسائية المشرقة في التاريخ الإسلامي تذكرنا بأن العلم والعبادة والعمل الصالح ليست مجالات حِكرا على الرجال، وأن المرأة تستطيع أن تجمع بين صفاء الروح ورجاحة العقل وعمق المعرفة وحسن الإسهام في المجتمع. ومن حق المرأة المسلمة أن تنال تعليما جيدا، وأن تُحترم إرادتها، وأن تُصان كرامتها، وأن تتاح لها فرص النمو والمشاركة في المجالات التي تتوافق مع قناعاتها وقدراتها.

وعليه، فإن النقاش الجاد حول المرأة لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة شعاراتية بين الإسلام والحداثة، ولا إلى مفاضلة سطحية بين الحرية والالتزام. وإنما يحتاج إلى فهم منصف للنصوص الشرعية، وقراءة دقيقة للتاريخ، واستفادة واعية من العلوم الإنسانية والطبيعية، ونقد للممارسات الاجتماعية التي تنتقص من كرامة المرأة باسم الدين أو التقاليد أو التحرر. وحينئذ يمكن أن تتشكل رؤية أكثر اتزانا، تجعل الإنسان غاية للإصلاح، وتربط الحرية بالمسؤولية، والحقوق بالواجبات، والتقدم بصيانة القيم.

فلتكن سير النساء الصالحات والعالمات في تاريخنا الإسلامي منارات تسترشد بها الأجيال الجديدة، لا لاستنساخ ظروف الماضي بحذافيرها، بل لاستلهام ما تحمله تلك السير من معاني الإيمان والعلم والصبر والاستقلال في الرأي وحسن العمل. وبذلك تستطيع المرأة المسلمة أن تمضي في طريقها بثقة، مستفيدة من منجزات عصرها، ومتمسكة بما تؤمن به من قيم، ومشاركة في بناء مجتمع يكرم الإنسان، ويصون الأسرة، ويجعل العلم والفضيلة أساسا لكل نهضة حقيقية.

أحدث أقدم