تاج العلماء: حكاية عالم صنعتْه حلقات العلم

الإعداد: محمد سهل عبد الرحمن

السيد عبد الرحمن البخاري المعروف بالسيد أولال، والذي اشتهر بلقب «تاج العلماء»، ينتمي إلى أسرة السادة البخاريين، وهي من الأسر الشريفة التي تنتسب إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. ويرجع تاريخ حضور هذه الأسرة في مليبار إلى السيد أحمد جلال الدين البخاري، الذي قدم من حضرموت إلى ولابطنم في شمال كيرالا منذ قرون، واشتغل بالدعوة والتعليم. ثم انتشر أحفاده في أنحاء مختلفة من الولاية، وكان إسماعيل البخاري، أحد أحفاده، أول من استقر من هذه الأسرة في كروانثيروثي، بلدة السيد أولال، ومن ذريته تفرعت أسرة السادة البخاريين التي عرفت بها المنطقة.

وفي الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة 1341هـ، الموافق لسنة 1929م، ولد السيد عبد الرحمن البخاري في كروانثيروثي. والده السيد أبو بكر كونجي خوجا البخاري، ووالدته السيدة فاطمة، المعروفة بكونها من أسرة السادة البخاريين أيضا. وقد نشأ في بيت عرف بالتقوى والاهتمام بالعلم، وكان لذلك أثر كبير في تكوين شخصيته العلمية والأخلاقية.

وكانت والدته شديدة العناية بتربية أبنائها، وكانت تطلب من العلماء والسادة الذين يزورون بيتها أن يدعوا لابنيها بأن يكونا من العلماء العاملين للآخرة. وكانت توصيهما بأن يقولا الخير، ويعملا للخير، وأن يصدعا بالحق مهما كان مرا. وقد بقيت هذه الوصية حاضرة في شخصية السيد أولال طوال حياته، فكان الصدق والثبات على المبدأ من أبرز صفاته.

بدأ تعليمه بقراءة القرآن الكريم على يد الشيخ كونجايين، ثم أخذ مبادئ العلوم الدينية عن الشيخ محمد بوتان ويتل، الذي كان يدرس في كروانثيروثي. وبعد ذلك انتقل بين عدد من مراكز العلم وحلقات الدرس في كيرالا، فدرس في كروانثيروثي وفي عدة مناطق من ولاية كيرالا وخارجها. وتتلمذ خلال هذه المرحلة على عدد من كبار علماء كيرالا، منهم الشيخ محمد من الكودمبياكاتي، والشيخ محمد كونابوزا، والشيخ محيي الدين كوتي البرفاني، والشيخ أحمد الكنياتي، والشيخ أبو الكمال الكاديري، والشيخ بابو التريكرِيبوري، وغيرهم.

وكان طلبه للعلم قائما على الهمة والصبر؛ فلم تكن صعوبة السفر ولا الظروف المعيشية حائلا بينه وبين غايته. ولما أراد الالتحاق بكلية الباقيات الصالحات في فيلور، علم أن الكلية لا تستقبل الطلاب القادمين من كيرالا بسبب ظروف المجاعة، لكنه لم يتراجع، بل دفع المال اللازم للالتحاق بالكلية، حتى تمكن من متابعة دراسته. وهناك تلقى العلم عن كبار العلماء، ومنهم الشيخ آدم حضرت والشيخ حسن حضرت، واستفاد من مجالسهم العلمية استفادة واسعة.

وقد ظهر نبوغه العلمي في مرحلة مبكرة، حتى كان يحظى باحترام شيوخه وزملائه، وكان يدرس بعض الكتب للطلاب، ومن بينها كتب في الفقه والأصول والحديث واللغة وغيرها. وكان من الكتب التي قرأها ودرسها «صحيح مسلم»، و«شرح المنهاج للمحلي»، و«الجامع الصغير»، و«نخبة الفكر»، و«جمع الجوامع» وغيرها. ثم حصل على المرتبة الأولى في امتحانات الكلية.

وبعد تخرجه بدأ خدمته العلمية في أولال سنة 1952م، مدرسا في مسجدها، ثم تحولت المؤسسة إلى «كلية السيد المدني العربية» سنة 1972م، فتولى إدارتها ورئاستها، واستمر في خدمة التعليم فيها إلى وفاته. وقد تخرج على يديه عدد كبير من الطلاب الذين واصلوا طريق العلم والدعوة في كيرالا وخارجها. وكان تدريسه يجمع بين الفقه والحديث واللغة والمنطق والبلاغة، مع قدرة ملحوظة على استحضار المسائل العلمية ومناقشتها من غير تكلف.

ومن مظاهر تمكنه العلمي أنه كان يستطيع تدريس الكتب الطويلة والمختصرة، والمسائل الدقيقة والمعقدة، اعتمادا على قوة حفظه وسعة اطلاعه. وقد شهد له العلماء في عدد من المجالس العلمية بدقة النظر وقوة الاستدلال، حتى صار مرجعا يرجع إليه الطلاب والعلماء في المسائل التي تحتاج إلى تحرير وتحقيق.

وتولى السيد منصب القضاء والإرشاد الديني، فكان قاضيا في مناطق عديدة، وأسهم في معالجة القضايا الدينية والاجتماعية التي تواجه المسلمين. وكان مرتبطا منذ شبابه بجمعية العلماء السنية في كيرالا، المعروفة بـ«سماستا كيرالا جميعة العلماء». وفي سنة 1956م أصبح عضوا في مجلس المشاورة، ثم ارتقى إلى مواقع قيادية في المؤسسة، وتولى رئاسة عدد من لجانها، كما شغل منصب نائب الرئيس ورئاسة مجلس التعليم، وكان له دور بارز في توجيه مسار العمل العلمي والديني.

وقد عرفت شخصيته بثباتها في القضايا العقدية والمنهجية، ورفضها للتنازل عن المبادئ العلمية تحت ضغط السياسة أو المصالح الشخصية. وكان يرى أن المحافظة على منهج أهل السنة والجماعة لا ينبغي أن تكون موضع مساومة. ولهذا شارك في المناقشات العلمية التي تناولت بعض التيارات والحركات الدينية المعاصرة، وكان عضوا في اللجنة التي درست موقف 'جماعة التبليغ' دراسة تفصيلية وقدمت تقريرها إلى مجلس المشاورة.

وكان له حضور روحي واجتماعي واسع. فقد جمع بين الهيبة العلمية والتواضع، وبين الحزم في المواقف والرحمة في التعامل، وظل قريبا من طلابه وأتباعه، حريصا على توجيههم إلى العلم والعمل والاستقامة. كما ارتبط بمدينة أولال وبالمؤسسات الدينية فيها ارتباطا وثيقا، وظل يخدمها حتى في فترات مرضه وتقدمه في السن.

وفي الأول من فبراير سنة 2014م، الموافق للأول من ربيع الآخر سنة 1435هـ، توفي السيد عبد الرحمن البخاري، بعد حياة امتدت عقودا في خدمة القرآن والعلم والتعليم والدعوة والمجتمع. وشهدت جنازته في إتيكولام بولاية كيرالا حضورا جماهيريا واسعا، حيث توافد العلماء والطلاب وعامة الناس لتوديعه والصلاة عليه.

أحدث أقدم