إن التصوف تعبير عن البعد الروحي الذي يحيي ظاهر الشريعة بمعاني الإخلاص والمراقبة والتزكية. ومن ثم فإن قراءة الإسلام بعيدا عن مقام الإحسان تظل قراءة ناقصة، مهما بلغت عنايتها بالأحكام والظواهر؛ إذ يتحول التدين حينئذ إلى صورة تخلو من روحها، وإلى ممارسة قد تستقيم في ظاهرها بينما يضعف أثرها في إصلاح القلب وتهذيب النفس.
وفي الجهة المقابلة، لا يخلو الحديث عن الروحانية من إشكال؛ فقد حاول بعض الناس أن يلتمسوا طريقها بعيدا عن ضوابط الشريعة، فاختلط عندهم السلوك الشرعي بالدعاوى، والتزكية بالممارسات التي لا سند لها من أصول الدين. ومن هنا كانت الحاجة إلى فهم التصوف في إطاره الإسلامي الصحيح: لا باعتباره بديلا عن الشريعة، ولا باعتباره مجالا منفصلا عن الفقه والعقيدة، وإنما باعتباره بعدا أصيلا من أبعاد الدين.
من الأحاديث الجامعة التي ترسم صورة متكاملة لبنية الدين الإسلامي حديث جبريل عليه السلام، ذلك الحديث الذي وقف فيه النبي ﷺ أمام أصحابه ليعرفهم مراتب الدين في صورة سؤال وجواب، فجاء جبريل في هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان.
فجاء الإسلام في الحديث مرتبطا بالأعمال الظاهرة: الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وجاء الإيمان متعلقا بأصول الاعتقاد: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ثم جاء الإحسان ليكشف عن أعمق طبقات العبودية، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وقد رواه الإمام البخاري في صحيحه برقم (50)، والإمام مسلم برقم (8).
ومن هذا الحديث الجامع يمكن النظر إلى الدين باعتباره بناء متكاملا تتساند فيه مراتب الإسلام والإيمان والإحسان. وفي مسيرة العلوم الإسلامية، تبلورت من هذه المعاني علوم متعددة؛ فكان الفقه معنيا بضبط أعمال المكلفين وأحكامهم، وكان علم أصول الدين معنيا بتقرير مسائل الاعتقاد وأصول النظر، بينما عني علم التصوف بتزكية النفس وإصلاح القلب وتحقيق مقام الإحسان.
حين تتصفح كتب التصوف تجد تعريفات كثيرة لهذا العلم، تختلف ألفاظها وتتعدد مسالك أصحابها، غير أن اختلاف العبارة لا يعني اختلاف الحقيقة؛ إذ تنتهي تلك التعريفات، في كثير من الأحيان، إلى معنى جامع هو إصلاح الباطن وصدق التوجه إلى الله تعالى.
يعرّف شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية.
أما الشيخ أحمد زروق رحمه الله فيجعله علما غايته إصلاح القلوب وتخليصها مما سوى الله تعالى، بينما يجعل الفقه علما بإصلاح الأعمال وإقامة شروطها، والكشف عن حكم الأحكام الشرعية.
وقد بلغت عناية العلماء بتعريف التصوف حدا كبيرا، حتى نقلت فيه مئات التعريفات، بل قيل إنها تجاوزت ألفي عبارة. وبعد أن استعرض الشيخ زروق طائفة واسعة منها، ردها إلى أصل جامع في كلمتين: «صدق التوجه إلى الله».
ولعل هذه العبارة، على إيجازها، تكشف جوهر المسألة؛ فاختلاف التعريفات ليس إلا اختلافا في زوايا النظر وطرائق التعبير، أما المقصد الأسمى فهو واحد: أن يتجه القلب إلى الله تعالى بصدق، وأن تتحول العبودية من مجرد صورة ظاهرة إلى حقيقة يعيشها الإنسان في سلوكه ووجدانه.
من أكثر القضايا التي ينبغي تحريرها عند الحديث عن التصوف العلاقة بين الشريعة والطريقة. فالتصوف الصحيح لا يطلب من السالك أن يتحرر من الشريعة كلما ارتقى في مقامات السلوك، بل العكس هو الصحيح: كلما ازداد قربا من الله ازداد التزاما بأحكامه.
وقد قرر العلماء هذه الحقيقة بعبارات متعددة. وشبه ابن عجيبة العلاقة بين الشريعة والطريقة بالعلاقة بين علم النحو وعلم المعاني؛ فكما أن علم المعاني لا يستقيم مع إهمال قواعد النحو، كذلك لا تستقيم الطريقة مع إهمال الشريعة.
وأكد الإمام السيوطي في تأييد الحقيقة العلية، والإمام الشعراني في الأنوار القدسية، وغيرهما، أن الطريق إلى الله لا ينفصل عن أحكام الشريعة.
ويقرر الإمام الشعراني أن من أراد سلوك طريق التصوف، فعليه أن يلتزم بما قرره المجتهدون والأئمة المتبوعون، وأن لا يجعل السلوك ذريعة للخروج عن الأحكام الشرعية. فالطريقة التي تنقض الشريعة ليست طريقا إلى الله، والباطن الذي يهدم الظاهر لا يمكن أن يكون كمالا للدين.
ومن هنا يتبين أن الشريعة والطريقة ليستا خصمين، بل هما وجهان متكاملان لحقيقة واحدة: الشريعة تضبط العمل، والطريقة تهذب صاحبه، والحقيقة تكشف ثمرة ذلك العمل في القلب والسلوك.
إذا كانت تزكية النفس قدرا مشتركا بين المسلمين، فإن السير في المقامات العالية يحتاج إلى مزيد من التربية والمجاهدة. ومن هنا نشأ في التراث الإسلامي مفهوم الشيخ المربي أو المرشد.
وقد أوضح العلامة الشالياتي المليباري رحمه الله أن طلب الشيخ ليس واجبا شرعيا على كل فرد بعينه، وإنما قد يصبح ضرورة عقلية لمن شرع في سلوك الطريق واحتاج إلى من يعينه على تجاوز العوائق التي تحول بينه وبين تحقيق العبودية. وشبه ذلك بمن اشتد به العطش، فإن طلب الماء يصبح في حقه ضرورة عقلية؛ لأن بقاءه متوقف عليه.
أما ما يلزم كل مسلم ابتداء فهو تعلم ما يحتاج إليه من أحكام الدين، ومعرفة الواجبات والمحرمات التي تتعلق بعبادته وحياته. ومن هنا ينبغي التفريق بين شيخ التعليم الذي يعلم الأحكام الشرعية، والشيخ المربي الذي يعين السالك على تزكية النفس ومجاهدة الهوى.
الإعداد: صوت المرام
